][ احسـ متعب ـاس ][
05-28-2007, 02:33 AM
قريت قصه اعجبتني وحبيت انقلها لكم ..
فاستمتعوا بيها ..
أيّامٌ خلــتْ..!
كنتَ تبسمُ لي دائماً وتقول: .."بشــــاير! أعدكِ..! ستكونين أسعدَ فتاةٍ في الدنيا..!..لأنّكِ أجملُ أختٍ على وجهِ البسيطة!"...،،
كنتُ في الرابعةِ فقطْ من عمري..، عندما كنتَ تمسكُ بيديًّ وتربِّتَ على رأسي بحنانٍ..وتغني ليَ الأغنيةَ التي أحبّها..، و أنامُ بعدها بسلامٍ في حجركَ..وتأتي والدتنا.. ليذهب كلٌ منّا إلى غرفتهِ،كنتُ أبكي تلكَ اللحظةَ بدموعٍ لذيذة ..! متأملةً أن تطولَ حربُ الخليجِ أكثر..! لتطولَ تلكَ الليالي الأثيرة أكثر!
لم أكنْ حينها أعرفُ شيئاً عن كنهِ الحربِ ؟ أو ماذا تكون ؟ كلُّ ما كنتُ أعرفهُ أنّها ذلك الشيءُ الذي كان يجمعنا تلك الليالي تحت سقفٍ واحد..! ساعاتٍ طوال.. تربّتُ على رأسي وتغني..،حتى أنــام..، وأظنُّ أنّك على صغرِ سنّكَ كنتَ تعرِفُ عنها الكثير..!
كنتُ أرقبكَ من بعيدٍ و أنتَ عائدٌ من المدرسة..كنت أصحو مبكرّاً بالنسبة لطفلةٍ في الرابعة..! فقط لتقول لي.. "وداعاً ".. و أراك تلوّح لي بحقيبتك الصغيرة ..واعداً إيايَ بقطعةِ الحلوى، و أنتظر الحلوى بشغف..! و أنتظركَ بشغفٍ أكبر ..!
كم كانت أمي تغضبُ عندما كنتُ أهربُ من فراشي..لأرمي بجسدي الصغيرُ على فراشك..وألتصق بك..و أنتَ تحلم بأشياءَ كثيرةٍ لا أعلم ما هي لكنّي كنتُ أتصورّك تصارع شيئاً مّا مثلا ! أو أتذكر فيلمَ الكارتون الذي شاهدنه معاً ذاك المســــاء..!
لم يكن يهمني إن كان حيزُّ الفراشِ صغيراً على طفلين أحدهم في الرابعة..! المهم ..! أن ألتصق بكَ ! كنتُ أخاف من شيءٍ ما ربّما .. أو أشتـــاق إليكْ..! لا أعرف..لكنّي كنتُ أرمي عظامي الصغيرةَ على طرفِ الفراشِ بينما أنت تغطُّ في نومٍ عميق .. و أنام ..، لأجدك في الصباح تغفو على الأرض..و أنا أنام على الفراشِ الناعم..!
كنتُ أبكي بشدّةٍ إذا حلّ المساء،وذهبتَ إلى غرفتك لتؤدي دروسك.. ثم تنام مبكرّاً لأنّ وراءك مدرسة..! وتقفل أمّي الغرفةَ .. حتى لا أستمِرَّ في إزعـــاجك..! كنت أبكي.. أبكي.. و أستمرُّ في دقِّ البابِ بحزنٍ و أنت ترمي لي بالقصاصات الملوّنةِ من تحت الباب .. وتغني .. و أغني.. بصوتٍ خافتٍ حتى لا تسمعنا أمي!
أتُصدِّق؟! كانت تعلمُ أنّنا نفعل ذلك..وتتناسانا..حتى يغلب النعاس أحدنا .. فإذا غلبني قبلك-غالباً-تخرجُ أنتَ بهدوءٍ حاملاً إيّاي إلى فراشي الصغير..ثم تعود لتنــام..،
يااااااااااااااااه ..! كم كنتَ تأكل من التقريعاتِ واللومِ بسببي ؟ لكنّك لم تكن أبداً ! لتضربني .. -كما يفعل كل الأطفال- أو .. تأخذ لعبي - كما يفعل كل الأطفال-..! كل ما كنت تفعله! أن تبسمَ لي .. وتغني لي .. وترمي لي بالقصاصات الملونةِ وتشاركني وحدتي .. وتلعب معي..،أو تحزنَ من أجلي..
كنتَ لي العالم بأسرهْ! كنتَ أرى فيكَ قصوري الصغيرة والألوان البهيجة التي ألوّن بها عالمي البريء..تقول أمي : أنّك كنتَ تبكي حدّ الهذيان عندما كنتُ أمرض أو تصيبني الحمّى! تقول : أنّك كنت تبكي كثيراً مغنياً لي أغنيتي التي أحبُّها حتى أبسم و أفيقَ لأجدك تتلقفني بذراعيكَ.. ولا تسعكَ الدنيا فرحاً..!
كنتَ أخي..و عالمي...و بهجتي .. و منتهى أحلامي .. و أملي..،
كبرنا قليلاً..! أصبحتَ في الرابعةَ عشر..،وكنتُ أنا في العاشرة! لا أدري ما الذي دهاكَ يومها لكنّكَ كنتَ تبعدُ عنّي..! كانتْ المسافاتُ تزدادُ يوماً بعد يومٍ بين غرفتي وغرفتك!
أصبحتَ تملكُ الكثيرَ من الأشياءِ الخاصّةِ .. و أصبحتْ غرفتك محرمّةً علي!
ليالٍ كثيرة! كنت أتجّهُ في منتصفِ الليل إلى غرفتك..! أبكي قليلاً ثم أعود .. لأبكي حتى يغشاني النعاسُ مرّة أخرى.. ودموعي مازالت عالقةً بين جفنَي..!
كنتَ في الصباح.. - بعد أن كنّا نذهبُ إلى كلِّ مكانٍ معاً-..تودعني على مضضٍ عند بابِ البيت ثمَّ تتركني أمشي وحدي! ..أنعطفُ يميناً .. و أنتَ يساراً..وبعدها ، لا تنظرُ إليَّ و لا أنظرُ إليك! أشيّعُ حافلتكَ بصمتٍ عندما تغادر.. و أنظر إلى الفتيات اللاتي يلهين حولي ولا أشعر بأيِّ رغبةٍ في اللعب معهنّ..! حتى عندما تكونُ لعبتي المفضلة..! - يبدو أنّها لم تكن مفضلةً بدونك!-
لم أكن أدرك حينها لماذا تفعل ذلك ؟ أو لماذا تبعدُ عنّي ؟ كل ما كنتُ أعرفه فقط ! أنّ " أخاكِ كبرَ! و أنتِ ما زلتِ طفلة! عندما تكبرين ..ستدركين"!!
وهل عندما يكبر الفتى يكرهُ أخته ويبتعدُ عنها ؟ ...
معادلةٌ صعبةٌ لم أكن أجدُ لها حلاًّ..!لكنْ..كنتُ موقنةً تماماً أنّك لم تكن تكرهني.. إنّما كنتَ فقط! تبعدُ عنّي!
كنّا نكبرُ وتكبرُ الفوهةُ بيني وبينك! وكلما كبرنا كانت تزداد المسافات بعداً بين غرفتي ..وغرفتك! بدأت تخرجُ كثيراً متجاهلاً توسلاتي لك بالمكوثِ لتسليني..، . . وتصرخُ على أتفهِ الأمورِ أكثر!..كانت الخادمةُ - أتذكرها ؟ تلك التي كنّا نلقبها الساحرة الشمطاء! عندما كنتَ أصغر من ذلك قليلاً! - كانتْ تكتم غيظها بحنقٍ أمامك! وبعد أن تخرج تتميزُّ غيظاً وهي تدعو عليك!! كم كنت أكرهها ؟؟!!!! تدعو عليك بحنقٍ شديد!! لدرجةِ كنتُ أتصورُّ أنًّ الجدران تهتزُّ من شدّةِ حنقها..! كنت أسمع زفراتها بعد خروجك .. بعد أن تركلَ باب غرفتها بعنف! وهي تلهج بكلماتٍ أفهمها .. وكلماتٍ لا أفهمها ..كل ما أفهمهُ أنّها تدعو!!!... على أخي ...
كنتُ أنا حينها في العاشرةِ فقطْ! ثمّةُ مسحاتٍ من الحزن تكتسح وجهك من وقتٍ لآخر..ثمّةُ كلماتٍ تتلعثمُ في شفتيك.. كثيراً..خاصّةً عندما كنت تجلس مع أبي !!
كنتَ تركلني! بلطفٍ... عندما كنتُ أحاولُ الانضمام إلى عالمك..، كنتَ تقولُ أنّي صغيرةٌ ولن أفهم شيئاً الآن.. و أن اللعب بعرائسي .. و - قصاصاتي الملوّنة! - و قراءة القصص هي أفضل ما يمكن أن يسّرِّيَ عنك!
أصبحتُ أراقبكُ بصمتٍ وحزنْ! لكن.. هذه المرّةَ..غير لذيذٍ أبداً......،
كنتُ أشعرُ أنّك يوماً فيوماً تغيب.. يوماً فيوماً ..! كان يزداد الصدى وحشيّةً بأن يرتدَّ إليّ بعلوٍ أكبر ! كلما ناديتك!
أصبحتَ في الخامسة عشر.. ، ازداد الأمر وحشةً وغموضاً بالنسبةِ لي.. ! ومازلت.. تركلني.. بلطفٍ أكثرَ عندما أحاولُ الدخول إلى عالمك..، وتقولُ أنَّ انشغالي بصديقاتي ولعبي و أن أكون سعيدةً هو حقّاً ما يسرّي عنك!..
اكتفيتُ بمراقبتكَ بصمتٍ حزين، ..انتقلتَ إلى مدرسةٍ جديدة.. في بادئ الأمر .. كان صراخكَ على أتفه الأمور يشتد! .. مرَّ أولُ شهرٍ وقد اعتدنا منك..على هذا الحال..،،
في كثيرٍ من الليالي ..كنت أسمع صراخك! وفزعك..! من كابوسٍ ربّما أو شيءٍ يجثمُ على صدرك..كنتُ أشعرُ بك! و أستيقظُ فزعةً من نومي..! راكضةً إلى غرفتك..! لأسمعكَ تنشجُ بصمت! وأبكي مجاهدةً أن أمنع نفسي من اقتحام خلوتك! ..
لم أكنْ أعلم ماذا يحدثُ لك؟ ولم يكن أحدٌ يعلم.. كلُّ ما ألمَّ به عقلي الصغيرُ تلك الليلة .. هو شعوري بأنّك تضيعُ وتنجرفُ في هاويةٍ ما..! ما هي أو ما كنهُها؟ لم أكن أستطيع أن أتصور!!
وبعد تلك الليلةِ بأشهر.........
...........لا أتصور في الدنيا لحظاتٍ أبشعَ من تلكَ اللحظة! .. عندما طرقتَ بابي..لأجدكَ شاخصاً بعينيكَ إلى أعلى! لا تنزل عينيك! لا تنظر إليّ .. لا تنظر إلى الأرض..! ولا تتكلّم!!
خفت..! صرخت..! حاولتُ أن أرمي نفسي في أحضانك إلاّ أنّ الفوهةَ التي نشأت بيننا عبر تلك السنين يبدو أنّها منعتني .!طفقتُ أركضُ مذعورةً لأخبر أمي!
أمسكتْ بيديك... ربَّتتْ على كتفك..! حادثتكْ..! همستُ باسمك..! كل ما كنتَ تَفعله أنْ تنظرَ إلى أعلى !!! جُنَّ جنوني ..! هززتكَ بعنف ..! هتفتُ باسمك بصوتٍ عالي!! أنزلتَ بصركَ إليّ ..، ثم عاودتَّ التحديق إلى أعلى ..!!!
يا الله ...!! أمّي...!!! ما الذي حلَّ بأخي؟؟؟؟؟؟!!!!!
لا شــــــــــيء.....،سوى فاجعةُ كبـــرى...،
يومها.. لم يبدُ أيُّ سببٍ عضويٍ لما ألمَّ بك.. ، ولم نجد إجاباتٍ مقنعةً لماذا كنت تنظر إلى أعلى فقط؟
لم يكن سهلاً على أبي أن يصدّق! ولكنّه ..هرع بكَ ذاهلاً إلى طبيبٍ للأمراض النفسية..! ليحتجزكَ هناك... وتغيب عنّي شهراً كاملاً..، و أُمنع من زيارتك.. لأسبابٍ تتعلق بعمري .. وأخرى تتعلق برقة طبعي وشدّة حساسيتي .. كما تقول أمي ..،،!
لمْ أكن أعرفُ عبارةَ "مرضٍ نفسي"..حينها.. كل ما عرفته أنّك متعب...متعبٌ جدّاً.. حدَّ الإعياء..! واخترقني هاجسٌ قويّ..! أنّي فقدتــــك إلى الأبد..!!
آهٍ.. أخيّيَ..كم من الحزنِ كان يكتسحني؟ .. أصبحتُ أراكَ في أحلامي.. تسقطُ في هوَةٍ عميـــــقة !ماداً يديك إليَّ..وينتهي الحلم قبل أن أمدَّ إليك يدي..!
كنت أحتضن دبدوبي الصغير- الذي كنت تلاعبني به يوماً.. أتذكر؟ - و أبكي كثيراً..،حتّى أنامَ ودموعي عالقةٌ بين جفني..!و أنا أهتفُ بيني وبين نفسي بجنون..! لماذا ؟ لماذا لا يخبرني أحدٌ ماذا ألمَّ بأخي ؟؟؟ ولماذا ؟؟؟
لماذا يُنتزعُ من بينِ يديَّ؟بكل وحشية؟؟؟؟!!! كل ما عرفته أنذاك! أنّك كنت تقضي أيامكَ في مكانٍ به الكثير من قرنائكَ وهو الأصلح -حالياً- لك..، و أنّكَ ستعودُ قريباً...،،
تمرُّ الأيام وتسكتني أمّي بأن تقول لي: إنّه يسلم عليك كثيراً..و أن لا تقابليه أفضلُ لكِ .. وله..!
آه!! أيُّ وحشٍ كاسرٍ ذاك الذي يقولُ أنَّ عدمَ رؤيتي لأخي أفضل لي وله ؟؟!!!! كلاّ..! قلبي أصغر من أن يحتمل كل ذلك..!
كففتُ عن الإلحاحِ في سؤال أمي.. وأصبحتُ أبعث لك برسائلَ.. و كتباً كنت تحبّها .. و الحلويات التي كنت تحبّها..،
مرّ شهرُ وعدتْ..! كم كانتْ فرحتي كبيرةً بك! عدّت إليّ وكنتَ في وضعك الطبيعي تماماً..!لم تسعني دنياي من الفرحة..! الكل كانَ سعيداً بهدوئِك وابتسامتك..! ولمْ نكن .. نتخيّل حتى .. أنّه الهدوء الذي يسبق العاصفة!!
وبعد عدّة أيامٍ.. رجعت لتشخص ببصرك إلى أعلى ..،و أسمعُ همهماتِ أمي وأ بي - إنّها بوادر النكسة!- ..
ربّاه!!! مرَّةً أخـــرى!! عدتَ إلى ذاك المكان.. الذي كنتَ تكرهه.. ليقرر الطبيب أن مكثكَ سيطول.. جداً..!لأنّ هذا المجتمع لا يصلح لك..!!
حقاً..! لا يصلح لك؟ وكيف يصلح له قلب أبيضٌ طاهرٌ أنقى من قلوبِ الأطفال ؟ كيف سيصلح له قلبٌ طيبته تجاوزت حدود الطيبة!..
سقطت في دوّامةِ الأمراض النفسية .. والاكتئاب و الوسواس والقلق ،، كل شيءٍ تغير فجأة! .. نكسةٌ ألمّـت بك.. لم نعرف لها سبباً.. أهو غياب والدي في أهم فترةٍ في حياة ابنه البكر وانشغاله بأعماله؟ أهو ضعف شخصيتك وروحكَ الهشّة؟ وطيبتك الزائدةِ حدّ إهدائها لكل الناس.. من يستحق منهم ومن لا يستحق ؟.. أهو امتحانٌ لنا ولك وابتلاء فقط ؟ وله نهايةٌ بإذن الله ؟ أم ..,؟أم ..؟ أم ...؟؟؟
أسئلةٌ كثيرة لم نجد لها إجاباتٍ مقنعة ..،وانتهى كل شيء..وانقضى،، الأحلام الجميلة ،، الأماني الضاجَّةِ بالحياة ،، و طموحات الشباب .. فقد استولى المرض على نفسيتك ..، وروحك ،، وجسدك..، وأصبحتَ أسيرهُ وأسير القلق والوساوس والكوابيس..
غضبَ والدي..! لم يستطع و أمي تصديقَ الحقيقةِ المرّة ! طفقا يتنقلان بك .. من مشفى إلى مشفى..وفي كلِّ مكانٍ يسمعانِ نفس الكلام..! مع أرطالٍ إضافيّةٍ من المهدئات..!!!
بدى القرارُ صعباً في البداية..ولكنّك كنتَ كلما عدّتَ إلى البيت تنتكسُ في نفس اليوم الذي عدّت فيه..
نورٌ وظلام.. ظلمةُ ونور.. نورٌ وظلام..
أضحى بادياً جدّا..! أنَّ من الأفضل الاستسلامَ لكلامِ الأطبّاء..،.. و أصبحتَ حبيس المشفياتِ النفسية..،
.. يتبع ..
فاستمتعوا بيها ..
أيّامٌ خلــتْ..!
كنتَ تبسمُ لي دائماً وتقول: .."بشــــاير! أعدكِ..! ستكونين أسعدَ فتاةٍ في الدنيا..!..لأنّكِ أجملُ أختٍ على وجهِ البسيطة!"...،،
كنتُ في الرابعةِ فقطْ من عمري..، عندما كنتَ تمسكُ بيديًّ وتربِّتَ على رأسي بحنانٍ..وتغني ليَ الأغنيةَ التي أحبّها..، و أنامُ بعدها بسلامٍ في حجركَ..وتأتي والدتنا.. ليذهب كلٌ منّا إلى غرفتهِ،كنتُ أبكي تلكَ اللحظةَ بدموعٍ لذيذة ..! متأملةً أن تطولَ حربُ الخليجِ أكثر..! لتطولَ تلكَ الليالي الأثيرة أكثر!
لم أكنْ حينها أعرفُ شيئاً عن كنهِ الحربِ ؟ أو ماذا تكون ؟ كلُّ ما كنتُ أعرفهُ أنّها ذلك الشيءُ الذي كان يجمعنا تلك الليالي تحت سقفٍ واحد..! ساعاتٍ طوال.. تربّتُ على رأسي وتغني..،حتى أنــام..، وأظنُّ أنّك على صغرِ سنّكَ كنتَ تعرِفُ عنها الكثير..!
كنتُ أرقبكَ من بعيدٍ و أنتَ عائدٌ من المدرسة..كنت أصحو مبكرّاً بالنسبة لطفلةٍ في الرابعة..! فقط لتقول لي.. "وداعاً ".. و أراك تلوّح لي بحقيبتك الصغيرة ..واعداً إيايَ بقطعةِ الحلوى، و أنتظر الحلوى بشغف..! و أنتظركَ بشغفٍ أكبر ..!
كم كانت أمي تغضبُ عندما كنتُ أهربُ من فراشي..لأرمي بجسدي الصغيرُ على فراشك..وألتصق بك..و أنتَ تحلم بأشياءَ كثيرةٍ لا أعلم ما هي لكنّي كنتُ أتصورّك تصارع شيئاً مّا مثلا ! أو أتذكر فيلمَ الكارتون الذي شاهدنه معاً ذاك المســــاء..!
لم يكن يهمني إن كان حيزُّ الفراشِ صغيراً على طفلين أحدهم في الرابعة..! المهم ..! أن ألتصق بكَ ! كنتُ أخاف من شيءٍ ما ربّما .. أو أشتـــاق إليكْ..! لا أعرف..لكنّي كنتُ أرمي عظامي الصغيرةَ على طرفِ الفراشِ بينما أنت تغطُّ في نومٍ عميق .. و أنام ..، لأجدك في الصباح تغفو على الأرض..و أنا أنام على الفراشِ الناعم..!
كنتُ أبكي بشدّةٍ إذا حلّ المساء،وذهبتَ إلى غرفتك لتؤدي دروسك.. ثم تنام مبكرّاً لأنّ وراءك مدرسة..! وتقفل أمّي الغرفةَ .. حتى لا أستمِرَّ في إزعـــاجك..! كنت أبكي.. أبكي.. و أستمرُّ في دقِّ البابِ بحزنٍ و أنت ترمي لي بالقصاصات الملوّنةِ من تحت الباب .. وتغني .. و أغني.. بصوتٍ خافتٍ حتى لا تسمعنا أمي!
أتُصدِّق؟! كانت تعلمُ أنّنا نفعل ذلك..وتتناسانا..حتى يغلب النعاس أحدنا .. فإذا غلبني قبلك-غالباً-تخرجُ أنتَ بهدوءٍ حاملاً إيّاي إلى فراشي الصغير..ثم تعود لتنــام..،
يااااااااااااااااه ..! كم كنتَ تأكل من التقريعاتِ واللومِ بسببي ؟ لكنّك لم تكن أبداً ! لتضربني .. -كما يفعل كل الأطفال- أو .. تأخذ لعبي - كما يفعل كل الأطفال-..! كل ما كنت تفعله! أن تبسمَ لي .. وتغني لي .. وترمي لي بالقصاصات الملونةِ وتشاركني وحدتي .. وتلعب معي..،أو تحزنَ من أجلي..
كنتَ لي العالم بأسرهْ! كنتَ أرى فيكَ قصوري الصغيرة والألوان البهيجة التي ألوّن بها عالمي البريء..تقول أمي : أنّك كنتَ تبكي حدّ الهذيان عندما كنتُ أمرض أو تصيبني الحمّى! تقول : أنّك كنت تبكي كثيراً مغنياً لي أغنيتي التي أحبُّها حتى أبسم و أفيقَ لأجدك تتلقفني بذراعيكَ.. ولا تسعكَ الدنيا فرحاً..!
كنتَ أخي..و عالمي...و بهجتي .. و منتهى أحلامي .. و أملي..،
كبرنا قليلاً..! أصبحتَ في الرابعةَ عشر..،وكنتُ أنا في العاشرة! لا أدري ما الذي دهاكَ يومها لكنّكَ كنتَ تبعدُ عنّي..! كانتْ المسافاتُ تزدادُ يوماً بعد يومٍ بين غرفتي وغرفتك!
أصبحتَ تملكُ الكثيرَ من الأشياءِ الخاصّةِ .. و أصبحتْ غرفتك محرمّةً علي!
ليالٍ كثيرة! كنت أتجّهُ في منتصفِ الليل إلى غرفتك..! أبكي قليلاً ثم أعود .. لأبكي حتى يغشاني النعاسُ مرّة أخرى.. ودموعي مازالت عالقةً بين جفنَي..!
كنتَ في الصباح.. - بعد أن كنّا نذهبُ إلى كلِّ مكانٍ معاً-..تودعني على مضضٍ عند بابِ البيت ثمَّ تتركني أمشي وحدي! ..أنعطفُ يميناً .. و أنتَ يساراً..وبعدها ، لا تنظرُ إليَّ و لا أنظرُ إليك! أشيّعُ حافلتكَ بصمتٍ عندما تغادر.. و أنظر إلى الفتيات اللاتي يلهين حولي ولا أشعر بأيِّ رغبةٍ في اللعب معهنّ..! حتى عندما تكونُ لعبتي المفضلة..! - يبدو أنّها لم تكن مفضلةً بدونك!-
لم أكن أدرك حينها لماذا تفعل ذلك ؟ أو لماذا تبعدُ عنّي ؟ كل ما كنتُ أعرفه فقط ! أنّ " أخاكِ كبرَ! و أنتِ ما زلتِ طفلة! عندما تكبرين ..ستدركين"!!
وهل عندما يكبر الفتى يكرهُ أخته ويبتعدُ عنها ؟ ...
معادلةٌ صعبةٌ لم أكن أجدُ لها حلاًّ..!لكنْ..كنتُ موقنةً تماماً أنّك لم تكن تكرهني.. إنّما كنتَ فقط! تبعدُ عنّي!
كنّا نكبرُ وتكبرُ الفوهةُ بيني وبينك! وكلما كبرنا كانت تزداد المسافات بعداً بين غرفتي ..وغرفتك! بدأت تخرجُ كثيراً متجاهلاً توسلاتي لك بالمكوثِ لتسليني..، . . وتصرخُ على أتفهِ الأمورِ أكثر!..كانت الخادمةُ - أتذكرها ؟ تلك التي كنّا نلقبها الساحرة الشمطاء! عندما كنتَ أصغر من ذلك قليلاً! - كانتْ تكتم غيظها بحنقٍ أمامك! وبعد أن تخرج تتميزُّ غيظاً وهي تدعو عليك!! كم كنت أكرهها ؟؟!!!! تدعو عليك بحنقٍ شديد!! لدرجةِ كنتُ أتصورُّ أنًّ الجدران تهتزُّ من شدّةِ حنقها..! كنت أسمع زفراتها بعد خروجك .. بعد أن تركلَ باب غرفتها بعنف! وهي تلهج بكلماتٍ أفهمها .. وكلماتٍ لا أفهمها ..كل ما أفهمهُ أنّها تدعو!!!... على أخي ...
كنتُ أنا حينها في العاشرةِ فقطْ! ثمّةُ مسحاتٍ من الحزن تكتسح وجهك من وقتٍ لآخر..ثمّةُ كلماتٍ تتلعثمُ في شفتيك.. كثيراً..خاصّةً عندما كنت تجلس مع أبي !!
كنتَ تركلني! بلطفٍ... عندما كنتُ أحاولُ الانضمام إلى عالمك..، كنتَ تقولُ أنّي صغيرةٌ ولن أفهم شيئاً الآن.. و أن اللعب بعرائسي .. و - قصاصاتي الملوّنة! - و قراءة القصص هي أفضل ما يمكن أن يسّرِّيَ عنك!
أصبحتُ أراقبكُ بصمتٍ وحزنْ! لكن.. هذه المرّةَ..غير لذيذٍ أبداً......،
كنتُ أشعرُ أنّك يوماً فيوماً تغيب.. يوماً فيوماً ..! كان يزداد الصدى وحشيّةً بأن يرتدَّ إليّ بعلوٍ أكبر ! كلما ناديتك!
أصبحتَ في الخامسة عشر.. ، ازداد الأمر وحشةً وغموضاً بالنسبةِ لي.. ! ومازلت.. تركلني.. بلطفٍ أكثرَ عندما أحاولُ الدخول إلى عالمك..، وتقولُ أنَّ انشغالي بصديقاتي ولعبي و أن أكون سعيدةً هو حقّاً ما يسرّي عنك!..
اكتفيتُ بمراقبتكَ بصمتٍ حزين، ..انتقلتَ إلى مدرسةٍ جديدة.. في بادئ الأمر .. كان صراخكَ على أتفه الأمور يشتد! .. مرَّ أولُ شهرٍ وقد اعتدنا منك..على هذا الحال..،،
في كثيرٍ من الليالي ..كنت أسمع صراخك! وفزعك..! من كابوسٍ ربّما أو شيءٍ يجثمُ على صدرك..كنتُ أشعرُ بك! و أستيقظُ فزعةً من نومي..! راكضةً إلى غرفتك..! لأسمعكَ تنشجُ بصمت! وأبكي مجاهدةً أن أمنع نفسي من اقتحام خلوتك! ..
لم أكنْ أعلم ماذا يحدثُ لك؟ ولم يكن أحدٌ يعلم.. كلُّ ما ألمَّ به عقلي الصغيرُ تلك الليلة .. هو شعوري بأنّك تضيعُ وتنجرفُ في هاويةٍ ما..! ما هي أو ما كنهُها؟ لم أكن أستطيع أن أتصور!!
وبعد تلك الليلةِ بأشهر.........
...........لا أتصور في الدنيا لحظاتٍ أبشعَ من تلكَ اللحظة! .. عندما طرقتَ بابي..لأجدكَ شاخصاً بعينيكَ إلى أعلى! لا تنزل عينيك! لا تنظر إليّ .. لا تنظر إلى الأرض..! ولا تتكلّم!!
خفت..! صرخت..! حاولتُ أن أرمي نفسي في أحضانك إلاّ أنّ الفوهةَ التي نشأت بيننا عبر تلك السنين يبدو أنّها منعتني .!طفقتُ أركضُ مذعورةً لأخبر أمي!
أمسكتْ بيديك... ربَّتتْ على كتفك..! حادثتكْ..! همستُ باسمك..! كل ما كنتَ تَفعله أنْ تنظرَ إلى أعلى !!! جُنَّ جنوني ..! هززتكَ بعنف ..! هتفتُ باسمك بصوتٍ عالي!! أنزلتَ بصركَ إليّ ..، ثم عاودتَّ التحديق إلى أعلى ..!!!
يا الله ...!! أمّي...!!! ما الذي حلَّ بأخي؟؟؟؟؟؟!!!!!
لا شــــــــــيء.....،سوى فاجعةُ كبـــرى...،
يومها.. لم يبدُ أيُّ سببٍ عضويٍ لما ألمَّ بك.. ، ولم نجد إجاباتٍ مقنعةً لماذا كنت تنظر إلى أعلى فقط؟
لم يكن سهلاً على أبي أن يصدّق! ولكنّه ..هرع بكَ ذاهلاً إلى طبيبٍ للأمراض النفسية..! ليحتجزكَ هناك... وتغيب عنّي شهراً كاملاً..، و أُمنع من زيارتك.. لأسبابٍ تتعلق بعمري .. وأخرى تتعلق برقة طبعي وشدّة حساسيتي .. كما تقول أمي ..،،!
لمْ أكن أعرفُ عبارةَ "مرضٍ نفسي"..حينها.. كل ما عرفته أنّك متعب...متعبٌ جدّاً.. حدَّ الإعياء..! واخترقني هاجسٌ قويّ..! أنّي فقدتــــك إلى الأبد..!!
آهٍ.. أخيّيَ..كم من الحزنِ كان يكتسحني؟ .. أصبحتُ أراكَ في أحلامي.. تسقطُ في هوَةٍ عميـــــقة !ماداً يديك إليَّ..وينتهي الحلم قبل أن أمدَّ إليك يدي..!
كنت أحتضن دبدوبي الصغير- الذي كنت تلاعبني به يوماً.. أتذكر؟ - و أبكي كثيراً..،حتّى أنامَ ودموعي عالقةٌ بين جفني..!و أنا أهتفُ بيني وبين نفسي بجنون..! لماذا ؟ لماذا لا يخبرني أحدٌ ماذا ألمَّ بأخي ؟؟؟ ولماذا ؟؟؟
لماذا يُنتزعُ من بينِ يديَّ؟بكل وحشية؟؟؟؟!!! كل ما عرفته أنذاك! أنّك كنت تقضي أيامكَ في مكانٍ به الكثير من قرنائكَ وهو الأصلح -حالياً- لك..، و أنّكَ ستعودُ قريباً...،،
تمرُّ الأيام وتسكتني أمّي بأن تقول لي: إنّه يسلم عليك كثيراً..و أن لا تقابليه أفضلُ لكِ .. وله..!
آه!! أيُّ وحشٍ كاسرٍ ذاك الذي يقولُ أنَّ عدمَ رؤيتي لأخي أفضل لي وله ؟؟!!!! كلاّ..! قلبي أصغر من أن يحتمل كل ذلك..!
كففتُ عن الإلحاحِ في سؤال أمي.. وأصبحتُ أبعث لك برسائلَ.. و كتباً كنت تحبّها .. و الحلويات التي كنت تحبّها..،
مرّ شهرُ وعدتْ..! كم كانتْ فرحتي كبيرةً بك! عدّت إليّ وكنتَ في وضعك الطبيعي تماماً..!لم تسعني دنياي من الفرحة..! الكل كانَ سعيداً بهدوئِك وابتسامتك..! ولمْ نكن .. نتخيّل حتى .. أنّه الهدوء الذي يسبق العاصفة!!
وبعد عدّة أيامٍ.. رجعت لتشخص ببصرك إلى أعلى ..،و أسمعُ همهماتِ أمي وأ بي - إنّها بوادر النكسة!- ..
ربّاه!!! مرَّةً أخـــرى!! عدتَ إلى ذاك المكان.. الذي كنتَ تكرهه.. ليقرر الطبيب أن مكثكَ سيطول.. جداً..!لأنّ هذا المجتمع لا يصلح لك..!!
حقاً..! لا يصلح لك؟ وكيف يصلح له قلب أبيضٌ طاهرٌ أنقى من قلوبِ الأطفال ؟ كيف سيصلح له قلبٌ طيبته تجاوزت حدود الطيبة!..
سقطت في دوّامةِ الأمراض النفسية .. والاكتئاب و الوسواس والقلق ،، كل شيءٍ تغير فجأة! .. نكسةٌ ألمّـت بك.. لم نعرف لها سبباً.. أهو غياب والدي في أهم فترةٍ في حياة ابنه البكر وانشغاله بأعماله؟ أهو ضعف شخصيتك وروحكَ الهشّة؟ وطيبتك الزائدةِ حدّ إهدائها لكل الناس.. من يستحق منهم ومن لا يستحق ؟.. أهو امتحانٌ لنا ولك وابتلاء فقط ؟ وله نهايةٌ بإذن الله ؟ أم ..,؟أم ..؟ أم ...؟؟؟
أسئلةٌ كثيرة لم نجد لها إجاباتٍ مقنعة ..،وانتهى كل شيء..وانقضى،، الأحلام الجميلة ،، الأماني الضاجَّةِ بالحياة ،، و طموحات الشباب .. فقد استولى المرض على نفسيتك ..، وروحك ،، وجسدك..، وأصبحتَ أسيرهُ وأسير القلق والوساوس والكوابيس..
غضبَ والدي..! لم يستطع و أمي تصديقَ الحقيقةِ المرّة ! طفقا يتنقلان بك .. من مشفى إلى مشفى..وفي كلِّ مكانٍ يسمعانِ نفس الكلام..! مع أرطالٍ إضافيّةٍ من المهدئات..!!!
بدى القرارُ صعباً في البداية..ولكنّك كنتَ كلما عدّتَ إلى البيت تنتكسُ في نفس اليوم الذي عدّت فيه..
نورٌ وظلام.. ظلمةُ ونور.. نورٌ وظلام..
أضحى بادياً جدّا..! أنَّ من الأفضل الاستسلامَ لكلامِ الأطبّاء..،.. و أصبحتَ حبيس المشفياتِ النفسية..،
.. يتبع ..